أحمد زكي صفوت
49
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
وأدنى السّخط ، ويكاد أمتنهم عودا أن تسحره الكلمة ، وتسكره « 1 » اللّحظة ، وقد ابتليت أن أكون قائلا ، وابتليتم أن تكونوا سامعين ، ولا خير في القول إلا ما انتفع به ، ولا ينتفع إلا بالصدق ، ولا صدق إلا مع الرأي ، ولا رأى إلا في موضعه وعند الحاجة إليه ، فإن خير القائلين من لم يكن الباطل غايته ، ثم لزم القصد والصواب ، وخير السامعين من لم يكن ذلك منه سمعة ولا رياء ، ولم يتخذ ما يسمع عونا على دفع الهدى ، ولا بلغة إلى حاجة دنيا ، فإن اجتمع للقائل والسامع : أن يرزق القائل من الناس مقة وقبولا على ما يقوله ، ويرزق السامع اتّعاظا بما يسمع في أمر دنياه ، وقد صلحت نيّاتهما في غير ذلك ، فعسى ذلك أن يكون من الخير الذي يبلغّه اللّه عباده ، ويعجّل لهم من حسنة الدنيا ما لا يحرمهم « 2 » من حسنة الآخرة ، كما أن المريد بكلامه أن يعجب النّاس ، قد يجتمع عليه : حرمان ما طلب مع سوء النية ، وحمل الوزر ، وقد وافقتم منى مسارعة فيما سألتموني من غير معاودة في أشباهه ، ولكن استطال الناس في جسيم أمورهم وإنفاذ الطوالع « 3 » ، ولم يبرح يطّلّع منى في ذلك احتساب الخبر فيما بلغته القوة منى في ذلك ، طمعا في أن ينفع اللّه بذلك من يشاء ، فإنه ما يشاء يقع . أمّا سؤالكم عن الزمان ، فإن الزمان الناس ، والناس رجلان : وال ومولّى عليه ، والأزمنة أربعة على اختلاف حالات الناس . فخيار الأزمنة : ما اجتمع فيه صلاح الراعي والرعية ، فكان الإمام مؤدّيا إلى الرعية حقّهم في الردّ عنهم ، والغيظ على عدوهم ، والجهاد من وراء بيضتهم ، والاختيار لحكّامهم ، وتولية صلحائهم ، والتوسعة عليهم في معايشهم ، وإفاضة الأمن
--> ( 1 ) في الأصل « وتنكره » وأراه محرفا . ( 2 ) في كتب اللغة أن حرم يتعدى إلى اثنين فيقال : حرمه الشئ . ( 3 ) الطوالع : جمع طالع ، وهو السهم الذي يجاوز الهدف ويقع وراءه ، والمعنى : مجاوزتهم الحدود وتعدّيها .